بين توترات أمنية جوّالة تلاحقت على نحو لافت في امسيتي السبت والاحد، واحتدام سياسي كبير ترجمته سقوف عالية وساخنة في الكثير من المواقف الموالية والمعارضة، اكتسبت التحضيرات لاحياء الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري الخميس المقبل طابعاً استثنائياً هذه المرة، اذ بدت الاستعدادات اشبه بتلك التي رافقت انتفاضة 14 آذار 2005 التي كانت مفتاح التحولات التي شهدها لبنان منذ ثلاث سنوات.
وفي ما يعكس عمق الاحتقانات التي خلفتها الازمة السياسية والرئاسية المفتوحة منذ سنة وثلاثة اشهر، مروراً بعهد الفراغ الرئاسي الناشئ منذ 24 تشرين الثاني 2007، انبرت قوى الغالبية لاكبر عملية تعبئة لقواعدها الشعبية في ما يبدو تحضيراً لجعل يوم 14 شباط المقبل استفتاء سياسياً وشعبياً لهذه القوى وخطها السياسي ورسالة الى المعارضة والقوى الاقليمية التي تدعمها.
غير ان هذه التعبئة لم تقتصر على الدعوات الى قواعد الغالبية للمشاركة في حشد 14 شباط، بل تجاوزتها الى مواقف سياسية كان أشدها حدة تلك التي اطلقها رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط قبل ظهر امس وذهب عبرها الى تخطي السقوف التقليدية في مواقف الغالبية من الصراع السياسي.
وتزامنت هذه المواقف مع مبادرة رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري الى زيارة طرابلس في خطوة هي الاولى من نوعها منذ انتخابات عام 2005، واستحضرت الكثير من وجوهها مما عكس الاهمية الكبيرة التي توليها قوى الغالبية لاحياء الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس الحريري والرسائل التي تريد توجيهها من خلال الحشد الذي تهيئ لجمعه في ساحة الشهداء.
جنبلاط
ذلك ان جنبلاط، وفي حملة غير مسبوقة بعنفها على قوى المعارضة ولا سيما منها "حزب الله"، خاطبها متحدياً: "اذا كنتم تظنون اننا سنقف مكتوفين فهذا امر من الخيال، قد نضطر الى حرق الاخضر واليابس، وجودنا وكرامتنا وبقاؤنا ولبنان اهم من كل شيء". واضاف: "تريدون الفوضى اهلاً وسهلاً بالفوضى، تريدون الحرب اهلاً وسهلاً بالحرب. لا مشكل بالسلاح ولا مشكل بالصواريخ، نأخذ الصواريخ منكم جاهزة". وقال في خطاب غاضب: "كفانا اغتيالاً وتخويناً وتحقيراً، لا يا سيد (حسن نصرالله) ليس هذا من مقامك ان تطل علينا في كل لحظة بهذا الكلام البذيء"، معتبراً ان "14 شباط موعد من التجديد والتحدي نكون او لا نكون، يكون لبنان او لا يكون، يكون حراً سيداً مستقلاً او يبقى مرهوناً لايران وسوريا".
الحريري
اما الحريري، فأمضى يومين في طرابلس في لقاءات متلاحقة مع مختلف الفاعليات السياسية والاجتماعية. ولم تقتصر الزيارة على بعدها السياسي، بل كان لها بعد اجتماعي انمائي، اذ اعلن اطلاق سلسلة مشاريع تنموية وتعليمية وصحية في طرابلس وعكار والشمال بقيمة 52 مليون دولار بعضها عائد الى الدولة وتعذر تأمين التمويل لها وذلك كهبات عينية ستقدم في ذكرى اغتيال الرئيس الحريري.
اما في البعد السياسي، فأوضح الحريري انه "ليس هناك من تحضير لتصعيد وكلما نزلنا الى ساحة الشهداء ننزل مسالمين حاملين اعلامنا وكل المحبة وورودنا". لكنه اضاف: "اذا اعتقد البعض اننا سنبقى ساكتين وان هذا الشارع يخيفنا، فإننا لا نخاف سوى الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نريد المواجهة ولكن اذا ووجهنا وفرضت علينا المواجهة فإننا بالتأكيد لها". وقال: "اننا سننزل مجدداً الى الشارع، ولا اشك في ان المعارضة لا تريد المواجهة، وكذلك نحن، ولكن اذا فرضت علينا ولجأوا الى المواجهة فإن المستفيد سيكون اسرائيل والنظام السوري". واتهم النظام السوري بمحاولات اشعال الفتن والاغتيالات قائلاً: "سننزل الى ساحة الحرية لنمنع الوصاية السورية من العودة الى لبنان ولن نيأس ولن نخاف وسنكون اوفياء لجميع شهدائنا".
"حزب الله"
ورد "حزب الله" على مواقف الغالبية معتبرا ان "كل التصعيد والتهديد والتهويل لا يزحزحنا قيد انملة عن خياراتنا وثوابتنا ونعرف ان خصمنا هو الادارة الاميركية التي بدأت تنهار في المنطقة وعندها يذهب معها بالسياسة حلفاؤها". وقال ان "الخطاب التصعيدي والتحريضي لفريق السلطة يعكس مأزق هذا الفريق وتوتره ومدى ترجمته للتصعيد الخارجي بأشكاله المختلفة"، مؤكدا ان "لا حل في لبنان خارج اطار التفاهم والتوافق وهذا اقتناعنا واقتناع المعارضة".
وفي وقت لاحق رد نائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي على جنبلاط واصفا كلامه بـ"المجنون" وقال: "لا تعتقدوا ان صبرنا وهذه الحكمة الناتجة من القوة والقدرة ستبقى الى ما لا نهاية، لذلك نصبر وقد وصل الصبر الى اقصى درجاته، ولكن عليكم ان تحذروا من لحظة غضبنا ولحظة قرارنا. عندما نقرر النزول الى الشارع لن يمنعنا القناصة ولا القتلة المأجورون". واضاف: "اذا كنتم تريدون تجييش بعض الآلاف بهذا الخطاب كي يأتوا الى الذكرى فليأتوا ولتمضى الذكرى، لكننا كنا نفضل ان تكون ذكرى وطنية لكل اللبنانيين وان تكون لاعلان الحل الذي كان على وشك ان يحصل منذ ثلاثة ايام".
توترات
اما التوترات الامنية، فبدأت مساء السبت مع حادث في البسطا بين انصار "تيار المستقبل" ومناصرين لـ"حزب الله" و"امل" بسبب خلاف على نزع صورة للرئيس الحريري طوقته القوى الامنية.
وافادت شرطة مجلس النواب ان مبنى المجلس تعرض لسقوط رصاص عقب اطلاق النار في انحاء مختلفة من العاصمة ونتج منه اصابة مجند من حراس مبنى المجلس وان زجاجة حارقة القيت على احدى السيارات في محاذاة مقر عين التينة.
ومساء امس حصل اطلاق نار في محيط مقر رئاسة المجلس في عين التينة، واعلنت قيادة شرطة المجلس ان سيارة مرت قرب المقر وحاولت تجاوز الحواجز الامنية وهي تطلق النار في اتجاه حرس المقر ولم يصب احد بأذى. وذكر ان الجيش طوق المنطقة، فيما دعا رئيس المجلس نبيه بري شرطة المجلس وحراس المقر الى التهدئة.
وحصل حادث في عاليه ادى الى سقوط جريحين من المواطنين في اطلاق نار لدى مرور موكب للحزب الاشتراكي امام مقر للحزب الديموقراطي اللبناني (برئاسة النائب السابق طلال ارسلان).
واصدر "تيار المستقبل" ليلا بياناً دعا فيه انصاره الى "قطع الطريق على الاستفزازات المتكررة التي تتعرض لها المواكب السلمية التي تدعو المواطنين الى المشاركة في الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري".
وطالب انصاره بالامتناع عن تسيير مثل هذه المواكب او المشاركة فيها.
مهمة موسى
اما على الصعيد السياسي، فقد خلف تحديد الرئيس بري موعد الجلسة الرابعة عشرة لانتخاب رئيس الجمهورية في 26 شباط انطباعا ان جولة الجهود الاخيرة للامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في بيروت لم تمن باخفاق تام وان عودته المقررة الى بيروت في 24 منه قد تشهد معاودة البحث في بعض النقاط التي ذكر ان بري لا يزال يرى فيها امكانا لتحقيق اختراق ومنها مسألة توزيع المقاعد الوزارية في الحكومة الجديدة على اساس "ثلاث عشرات".
لكن الغالبية اكدت عبر مصادر بارزة فيها انها لم توافق اطلاقا على هذه الصيغة اصلا، فكيف حين اضاف العماد ميشال عون الى شرط الثلث المعطل مجموعة شروط تعجيزية جديدة، مما يعني ان المعارضة نفسها تعاني عدم توحيد رؤيتها حيال التفاوض مع موسى أولاً ومع الغالبية في الدرجة الثانية.
وفي هذا السياق، قال وزير الاتصالات مروان حماده أمس إن "كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها خيار الانتخاب بالنصف زائد واحد الذي لم تتخل الاكثرية عنه يوماً وانما وضعته جانباً لتفسح في المجال لكل الوساطات المطروحة". وذهب حماده الى القول ان قائد الجيش العماد ميشال سليمان "يستطيع ان يحظى بأكثر من النصف زائد واحد من الأصوات مما يمكن ان يصل الى ثمانين صوتاً مؤيداً لانتخابه". واذ حمل بشدة على العماد عون ووصفه بأنه "التابع لحزب الله"، اكد رفض الاكثرية اعطاء الثلث المعطل "لمن نعرف انه يريد تعطيل كل شيء"، وقال: "لن تكون بعد اليوم تهديدات المعارضة من دون اجابات منا".
وفيما صرح موسى قبيل مغادرته بيروت السبت بأن عدم انتخاب العماد سليمان رئيساً سيؤثر سلباً على القمة العربية في دمشق، صرح امس الامين العام المساعد للجامعة للشؤون السياسية احمد بن حلي بأن "القمة العربية في دمشق مقررة حسب ميثاق الجامعة العربية وحسب آخر قرار للقادة العرب في قمة الرياض ونحن نعمل في هذا الاتجاه ولا اريد ان اربط اي ازمة بمسألة انعقاد قمة دمشق". وأضاف الرجل الثاني في الجامعة: "على العكس من ذلك، القمم العربية مهمتها العمل على حل الازمات والتعامل معها، ولا ينبغي ان نتذرع بأي ذريعة للمساس بآلية القمة ونحن لا نريد اي مشكلة مع هذه المسألة".
واجتمع وزير الخارجية المصري احمد أبو الغيط أمس مع وزير الاعلام غازي العريضي في القاهرة. وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي بأن الوزيرين عرضا آخر التطورات في لبنان بعد زيارة موسى في محاولة لدفع القوى السياسية اللبنانية نحو تنفيذ المبادرة العربية والتحرك سريعاً لانتخاب رئيس الجمهورية المتوافق عليه من جميع الاطراف في لبنان. وقال إن ابو الغيط والعريضي اتفقا على ان الفترة حتى تاريخ الجلسة المقبلة لمجلس النواب في 26 شباط الجاري هي فرصة حقيقية لانهاء هذا الموضوع في الاطار العربي يتعين على اللبنانيين عدم تفويتها، وان ابو الغيط أوضح في اللقاء انه من المهم ان تكون معالجة نسب التمثيل في حكومة الوحدة الوطنية المقبلة بالتوافق.