كل التبريرات الأمريكية لنشر الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا لم تقنع روسيا بأنها ليست مستهدفة بها، بل هي ترى في تمدد حلف الأطلسي إلى حدودها الغربية، وسعي واشنطن لإيجاد قواعد عسكرية لها في آسيا الوسطى، وتحديداً في دول الاتحاد السوفييتي السابق، إضافة إلى الدرع الصاروخية، محاولات لتطويقها ومحاصرتها، وبالتالي إضعاف تأثيرها ودورها.
لقد حاولت روسيا خلال السنوات القليلة الماضية، من خلال حواراتها مع الإدارة الأمريكية والدول الغربية في حلف الأطلسي، أن توضح موقفها وتعبّر عن استيائها ودهشتها إزاء هذا “الهجوم” الذي يستهدف أمنها القومي، على الرغم من انتهاء الحرب الباردة، والتوصل إلى اتفاقات شراكة أمنية وعسكرية مع هذه الدول، لكن الرد كان يأتي في الغالب غير واضح أو مقنع، الأمر الذي أثار حفيظة الكرملين أكثر من مرة، من خلال مواقف أدلى بها الرئيس فلاديمير بوتين وتحذيره من عودة “الروح الامبريالية مجدداً” والسعي لمحاصرة بلاده، ما تم اعتباره بمثابة عودة للصراع بين الشرق والغرب، وإطلاق العنان لسباق تسلح جديد.
لم تتراجع الإدارة الأمريكية عن مساعي الهيمنة وسياستها الامبراطورية وإصرارها على إقامة نظام القطب الواحد، مع استبعاد أو تهميش كل القوى الدولية الفاعلة الأخرى. تمثل ذلك في محاولة مصادرة الأمم المتحدة لتكون في خدمة المشاريع والسياسات الأمريكية، وفي التوسع العسكري المحموم والحروب المدمرة واللجوء إلى القوة والتهديد، كوسيلة وحيدة للتعامل مع الأزمات الدولية، وتضخيم موازنات الحرب والتسلح إلى درجة باتت ترهق الاقتصاد الأمريكي.
من هنا يمكن فهم أسباب الصرخة التي أطلقها الزعيم الروسي بوتين أمس، والتي أعلن فيها أن الغرب يتوسع نحو بلاده، وبالتالي فإن بلاده مضطرة للرد من خلال تحديث أسلحتها وجيشها، مؤكداً أن سباق تسلح قد بدأ من جديد.ومن هنا يمكن أيضاً فهم أسباب قيام روسيا بمناورات في المحيط الأطلسي ومشاركة قاذفاتها الاستراتيجية في هذه المناورات، وكذلك إخراج أسطولها من البحر الأسود باتجاه البحر المتوسط.
كل ذلك يدل على أن مرحلة جديدة قد بدأت فعلاً بين روسيا والدول الغربية، وأن الولايات المتحدة تعمل على إعادة توتير الأجواء الدولية وخلط الأوراق، والعودة إلى سباق التسلح من أجل إرهاق الاقتصاد الروسي، الذي يبدو أنه يتعافى جراء الارتفاع في أسعار النفط. والسبب أن روسيا بوتين ليست روسيا يلتسين، وترفض أن تدخل تحت العباءة الأمريكية، وتبقى دولة من الدرجة الثانية أو الدرجة الثالثة.