«انتهاكات خطيرة» هي آخر ما تبقى للمجتمع الدولي للتعبير عن رفض السياسة الإسرائيلية الإجرامية في قطاع غزة والتي استؤنفت أمس بتقليص إمدادات الكهرباء إلى القطاع الذي توقف عمل محطة الكهرباء الرئيسية فيه أصلا مع رفض الاحتلال إدخال كميات الوقود اللازمة لتشغيل محطة النصيرات.
وتندرج الخطوات الإسرائيلية في العلن على أنها رد على انهمار صواريخ المقاومة على المستعمرات الإسرائيلية، إلا أنه وبالعودة للتصريحات الإسرائيلية السابقة، فإن خطة «إغراق غزة في مياه البحر» التي تمناها رئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحق رابين ترجمت في السنتين الأخيرتين إلى خنق القطاع وتحميل مسؤولياته على الدول العربية وتحديدا مصر.
ولم يخف وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك خطته هذه عندما تسربت على لسانه تصريحات سابقة بعيد اجتماعه مع جهازي «الموساد» و«الشين بيت» أن مرحلة الانفصال عن غزة والتي بدأت في صيف العام 2005 سيتم تطويرها بقهر إرادة المقاومة من خلال الحصار الاقتصادي اللاإنساني والمتدرج وفي المقابل تحميل الدول العربية ومصر مسؤولية إعاشة الفلسطينيين خاصة بعد انقلاب حركة «حماس» على السلطة الفلسطينية.
ولذا بدأت إسرائيل أمس بالشروع بتنفيذ المرحلة الرابعة من خطة «خنق غزة» بتقليل إمدادات الطاقة الكهربائية إلى القطاع. وذلك في إطار ما تزعم أنه خطتها لقطع روابطها الاقتصادية مع الفلسطينيين.
ويعني هذا القرار تقليص إمدادات الكهرباء إلى واحد من عشرة خطوط للضغط العالي بمقدار يقل عن واحد ميغاواط، وفي نهاية الأمر ستخفض إسرائيل الكهرباء بنسبة خمسة في المئة من الإمدادات التي تقدمها إلى قطاع غزة وهي 124 ميغاواط.
وهذه أحدث حلقة في سلسلة خطوات إسرائيلية للضغط على غزة جاءت على النقيض مع دعوة نائب وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد وولش للإسرائيليين بتخفيف القيود على الفلسطينيين، إلا أن دوائر الأمن الإسرائيلية ترى أن سياسة العقاب الجماعي من المرجح لها أن تحول سكان القطاع إلى الانتفاض ضد حركة «حماس» التي تسيطر على غزة منذ 14 يونيو الماضي.
وعندما سئل الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية توم كيسي عن هذه الخطوة أنكر علمه بها، واستدرك «نحن نتفهم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها لكننا لا نعتقد انه ينبغي اتخاذ أفعال تؤثر في الوضع الإنساني للمدنيين في غزة أو تؤدي إلى تدهوره».
وبرر نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتان فيلناي القرار الأخير والذي يقلص إمدادات الكهرباء تدريجيا إلى مدينة غزة بواقع 5 في المئة «نحن نحاول تقليل اعتماد غزة على إسرائيل في مجالات كثيرة، وقد حكمت المحكمة العليا الإسرائيلية بأننا نتصرف بطريقة صحيحة ومناسبة».
وترى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أن قطع الكهرباء ليس عقاباً «لقد انفصلنا عنهم بسحب قواتنا ومستوطنينا ونحن الآن نريد منهم أن يبدأوا الاهتمام بشؤونهم بأنفسهم فلديهم محطة طاقة خاصة بهم وهم يحصلون على الكهرباء من مصر ونريدهم أن يتوقفوا عن الاعتماد على إسرائيل».
وتعتبر إسرائيل منذ سبتمبر 2007 غزة «كيانا معاديا» وهذه الصيغة التي استحدثتها حكومة أولمرت مقدمة للتحلل من جميع الاتفاقيات الدولية الخاصة بمسؤولية الاحتلال عن المحتل، ورفع جميع القيود التي لم تلتزم بها إسرائيل أصلاً بشأن الإمعان في سياسة العقاب الجماعي والاغتيالات وإرهاب المدنيين الفلسطينيين بحجة الدفاع عن الأمن الإسرائيلي.
كما تهدد إسرائيل منذ مدة بشن هجوم بري شامل على غزة لوقف ما تسميه خطر الصواريخ البدائية التي تطلقها المقاومة على مستعمرات في فلسطين 1948. وكانت الصواريخ والتقارير الإسرائيلية وأدوات الدعاية الإسرائيلية في الغرب عن «الضعف اليهودي» أمام الصواريخ والهلع الذي يصيب الإسرائيليين منها، فرصة مواتية لجيش الاحتلال لارتكاب أفظع الجرائم والتي لم تستثن الأطفال والمدرسين والطلبة الصغار في صفوف الدرس.
وآخر الدعايات الإسرائيلية والتي حرفت الانفجار الفلسطيني باتجاه الحدود مع مصر بعد حصار إسرائيلي دام شهورا على غزة منع وصول الدواء والغذاء، أنه خطة من «حماس» لإدخال أسلحة متطورة ومقاتلين مدربين في إيران. ووزعت وزارة الدفاع الإسرائيلية تقريراً داخلياً يزعم أن الفلسطينيين بعد تفجير فتحات في الجدار بين غزة ورفح المصرية أدخلوا صواريخ بعيدة المدى.
ولعل المطلوب عربيا في هذه اللحظات الخطيرة ليس التنديد بالفصل الاقتصادي بين غزة وإسرائيل وإنما تطويق المخطط الإسرائيلي الأحادي الجانب بدعم وتأهيل غزة لتكون قادرة على الانفصال الفعلي من دون الحاجة إلى إسرائيل وإسقاط ورقة العقوبات من يد إسرائيل والتي لا تفضح أيضاً إلا عيوب الاحتلال.