يتخطى مفهوم الموضة مجرد الحاجة إلى الاكتساء. ولطالما كانت تلك ظاهرة مرتبطة بالبلاط الملكي والطبقة الأرستقراطية. وهؤلاء كانوا المتلقين الأول للموضة، والناقلين لها إلى الفئات الأخرى حتى تصبح ظاهرة عامة.
وفي العام 1482 ظهر مصطلح الموضة للمرّة الأولى في فرنسا كدلالة على بعض التغييرات الطفيفة في الألبسة المخصصة للنخبة. وفي العام 1549 تغيّرت عبارة "الموضة الجديدة" فأصبحت "على الموضة". وترتبط نهضة "الموضة" الفعلية بمحطة أساسية هي الثورة الصناعية والإنتاج بالجملة، ونشوء طبقة وسطى مدنية مستهلكة لها، إضافة إلى إعلام روّجها وساهم في انتشارها، فصارت تضمّ مجموعة ظواهر متشابكة منها الإبداعي والصناعي والتجاري والاجتماعي الطبقي .
وفي العراق لا يقتصر اختيار الموضة بين الشباب العراقيين على ما يسود بين اقرانهم من الشباب في بلدان عربية أخرى، فالتقاليد السائدة في المجتمع تؤدي دوراً مهماً وأساسياً في عملية الاختيار، فضلاً عن الوضع القائم في البلاد الذي دفع الكثير من الشباب الى الإحجام عن الاستجابة لما تمليه تقليعات الموضة، وامتنع كثيرون عن تقليده في السنوات الماضية خوفاً مما قد ينالهم من الجماعات المتشددة التي فرضت عقوبات مختلفة على الشباب من مقلدي تقليعات قصّ الشعر والملابس الشبابية، وخصوصاً حين أقدم أفراد من هذه "الجماعات" على تمزيق ملابس شبان يرتدون بنطالاً كلاسيكياً، بينما حلق آخرون رؤوس الفتيات اللواتي امتنعن عن ارتداء الحجاب.
ودفعت هذه الحوادث الفتيات غير المحجبات الى وضع غطاء مناسب على الرأس عند الخروج الى المدرسة، او الجامعة او مواقع العمل، خوفاً من التعرض لعقوبات مماثلة، فيما امتنعت كثيرات منهن عن ارتداء الملابس التي قد تستفز المتشددين.
ولكن، من جانب آخر، يبدو الشباب العراقي اكثر انفتاحاً على محاكاة ما هو رائج هذا العام، لا سيما في بغداد حيث يبدي الشباب الجامعي ميولاً اكبر لتقليد الموضة من اقرانهم في باقي الأوساط، وتسود بينهم تقليعات مختلفة من قصات الشعر الى الملابس الشبابية الحديثة.
تقول مها الطالبة في كلية الآداب في جامعة بغداد، ان تقليد الموضة في العراق يبدأ في الوسط الجامعي ثم ينتشر تدريجياً بين بقية الشباب، وتؤكد ان الشباب العراقي يتمتع بحرية نسبية في اختيار ملابسه التي تتماشى مع العصر. ويواجه بعضهم اعتراضاً شديداً من الأهل على اختياراته الخاصة لملابسه أو قصة شعره... عند الخروج من البيت الى الجامعة او العمل.
وترى مها أن آراء الآخرين سواء كانوا من العائلة أم من الاقران أمر مطلوب، "لكنها ينبغي ان لا تتعدى إلى كبح ميول الآخر ومصادرة رغباته الشخصية في هذه الحدود".
ويتعرض بعض الشباب الى انتقادات واسعة بسبب قصة شعرهم أو طبيعة ملابسهم. ويؤكد احمد أن اقرانه غالباً ما ينتقدونه على طريقة تصفيفه لشعره التي يرون فيها شبهاً، أو تشبّهاً بطريقة الخنافس، لكنه اعتاد ألا يعير كثيراً من الاهتمام لتلك الانتقادات الممازحة التي يطلقونها على شعره، والتي غالباً ما يأخذها على سبيل المزاج، لأنه أحبّ هذه الطريقة في تصفيف الشعر ولن يغيّرها إلا اذا اعجبته تقليعة جديدة.
ولا يبتعد الحجاب كثيراً عن عالم الموضة في العراق بعدما تسللت اليه تقليعات حديثة استحوذ البنطال الجينز على موقع الصدارة فيها، تليه تقليعة الكلاسيك، وبات بمقدور المحجبات الخلط بين ارتداء الحجاب الشرقي (الجلباب) والغربي (البنطال).
وتجد نغم وهي موظفة في احدى المؤسسات الحكومية، ان "الحجاب الغربي يوفر للمرأة العاملة حرية أكبر في التحرك ملاحظة "انه بدأ ينتشر بشكل واسع بين المحجبات خلال السنوات الاخيرة، الا انها، في الوقت ذاته، ترى ان موضة الحجاب لا تقتصر على ابتداع ملابس جديدة بل تتعداها إلى غطاء الرأس الذي ظهر بموديلات مختلفة بين الفتيات استمدت غالبيتها من أغطية الرأس التي استخدمتها الفنانات المحجبات كما يظهرن على الشاشة. وباتت الفتيات المحجبات يبحثن عن تلك الموديلات في الاسواق فور ظهور الحجاب على الشاشة حتى باتت أغطية الرأس التي استخدمتها صابرين وسهير رمزي وحنان الترك، ضرباً من الموضة لدى كثيرات.