في العام 1987 كتب المفكر اليساري الأميركي وليام دومهوف ومؤلف كتاب "من يحكم أميركا"، الذي تفوق شهرته شهرة كاتبه، "كل واحد يتحدث عن مصانع الأفكار لكن لا أحد يدرسها".
ملاحظة دومهوف كانت صحيحة في وقتها بشأن المجتمع الأميركي ولم تعد كذلك، لكنها ما تزال تصدق على مجتمعنا العربي... خاصة وقد بدأ بعض المعنيين وليس أغلبهم يتحدثون عن مصانع الأفكار حديثا تنقصه الدراسة بل الدراية. وأصبح ثمة ميل الى في عدد قليل من العواصم العربية (الخليج العربي في المقدمة ربما بسبب توفر المصادر المالية) الى تأسيس مصانع أفكار، على غرار ولكن ليس بمستوى تلك الأميركية أو الأوروبية، تعنى بالقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية ... ويتم هذا دون دراسة.
وموضوع مصانع الأفكار ليس مجرد مجال محدود يمكن ان تغطيه مقالات صحفية أو حتى أبحاث ذات مدى ضيق تنشر في الشهريات أو الدوريات، فهو يتصل اتصالا وثيقا، من الناحية النظرية ومن ناحية التطبيقات العملية، بمجال العلاقة بين السلطة والمعرفة. وأقرب صورة تاريخية الى مصانع الأفكار المعاصرة هي صورة طبقة الكهنة والعرافين في مصر الفرعونية والصين الامبراطورية والتي كانت في تلك المجتمعات القديمة تغذي العروش والحكام بالأفكار التي توجه سياساتهم وقراراتهم في الداخل والخارج. وربما لهذا يطلق بعض الباحثين على مصانع الأفكار تسمية "معابد الأفكار"، الأمر الذي يكسبها طابعا دينيا.
ومن الضروري أن نلاحظ أن هذه العلاقة تسير في اتجاهين: فالسلطة تتجه الى من يملكون المعرفة للتسلح بها، والممسكون بمفاتيح المعرفة يتجهون الى السلطة لبيع سلعتهم وللتأثير في قرارات السلطة بما يحقق مصالحهم المباشرة أو غير المباشرة.
ونحن نعيش في زمــن اختـفى فيه دور الهواة في مجالات المعــرفة والسلــطة ان لم نقــل في المجالات كافة. فكلا الطــرفين الآن محترف ويدرك انه بحاجة الى الآخر . ولقد حــذر الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلســون في العقـد الثاني من القرن الماضي من فكرة قيام "حكومة خبراء" واعتبرها منافية للديموقراطية، لان معناها ان السلطة ستكون لأفراد لا يتحدثون لغة العامة. لكن تحذير ويلسون لم يجد نفعا، اذ كانت قد بدأت ولم تتوقف العملية التي حذر منها. وهكذا بعد انقضاء عهد ويلسون بعشرات السنين أصبحت الصورة الراهنة المتمثلة في اتساع نطاق ونفوذ مصانع الأفكار تعكس تحالفا قويا بين السلطة والمعرفة. وأصبحت شريحة كاملة من الخبراء تحتل مركزا فاصلا بين المواطن العادي والسلطة الحاكمة. منطقة عازلة بين الحكام والمحكومين، مؤلفة من نخبة غير منتخبة. مع ذلك فإن الدور الذي تمارسه في العملية السياسية يفوق في بعض جوانبه أدوار المنتخبين والناخبين على السواء ويؤثر على سلوك السلطات المنتخبة وقراراتها.
إن التطورات التي أدت الى تقوية تحالف الصناعيين والعسكريين وتقوية قبضة الطرفين على السلطة الأميركية سارت جنبا الى جنب مع التطورات التي أدت الى تقوية دور مصانع الأفكار في رسم السياسة الأميركية وتوجيهها، ويمكن حتى ان نقول انهما تطورا كظاهرة واحدة. ويثير الدهشة حقا ان علاقة مصانع الأفكار بالتحالف الصناعي العسكري لم تنل حظا من الدراسة حتى في المراكز البحثية الأميركية. فضلا عن غيرها.
واذا ما وجهنا النظر ايضا الى المجتمع الأميركي ندرك بغير صعوبة أن مصانع أفكار بعينها قد مدت نطاق عملها ونفوذها في أرجاء هذا المجتمع بما في ذلك المجتمع الصناعي العسكري وأصبحت جزءا أساسيا من مكوناته. وندرك ايضا ان أبواب المصادر المالية تفتح لمصانع الأفكار اليمينية بسخاء واضح حينما يكون التيار اليميني في الحكم. وغني عن القول ان الأفراد والمؤسسات القادرة على دفع أموال لدعم مصانع الأفكار هم أكثر ميلا بطبيعة مصالحهم الى دعم المراكز ذات التوجه اليميني.
والآن فإن ثمة مستجدات تفرض إعادة النظر في بعض هذه الملاحظات وتفرض أن يكون هناك قدر أوفر من الاهتمام العربي بدراسة مصانع الأفكار وان يوجه اهتمام خاص بدراسة النفوذ الاسرائيلي على مصانع الأفكار وتأثير هذا النفوذ على القضايا العربية من خلال تأثيره على مسارات السياسة الخارجية الأميركية والأوروبية.
أهم هذه المستجدات يتمثل في "حدث" جديد في نوعه: غزو أحد مصانع الأفكار الأميركية لآخر والسيطرة عليه وتحويل توجهه السياسي من ناحية الى الناحية العكسية. ويتناول هذا الحدث واحدا من أبرز وأرسخ مصانع الأفكار الأميركية على الإطلاق وهو "مؤسسة بروكنغز " الشهيرة. لقد وقعت تحت قبضة مصنع أفكار يحتل المكانة الأولى في الترويج لسياسات اسرائيل واتجاهاتها وأهدافها داخل العاصمة الأميركية واشنطن، وهو الذي يحمل اسم "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى". وبذلك دخل بروكنغز في دائرة نفوذ لجنة الشؤون العامة الاسرائيلية الاميركية (ايباك) أنشط وأفعل منظمات اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة.
يسجل هذا الحدث بداية الأخذ باستراتيجية جديدة في ميدان العلاقات بين هذه المؤسسات. فقد كان اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة يكتفي في الماضي بالمنافسة مع مصانع الأفكار التي تتباين معه في الرأي أو في التوجه أو بموقف الناقد الفظ الذي يخشى بأسه. كان اهتمامه مركزا على وسائط الإعلام أكثر منه على مصانع الأفكار. هذه المرة تخطى اللوبي الاسرائيلي تلك الحدود وغزا مركزا بحثيا من أهم المراكز الاميركية ـ هو مؤسسة بروكنغز ـ الأبرز بين من يتصف من هذه المراكز بالليبرالية والاعتدال. ويتضح من المعلومات المتاحة حتى الآن ان عملية سيطرة ايباك لحساب معهد واشنطن على بروكنغز لم تبدأ منذ وقت قصير... انما يتوج هذا الحدث جهودا وضغوطا استمرت منذ عام ,2002 أي منذ بداية تلويح إدارة المحافظين الجدد التي يرأسها بوش بغزو العراق. وقتها كانت لجنة ايباك ومعها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى على رأس المؤيدين بلا تحفظ لغزو العراق للانتهاء الى الابد من خطره على أمن الولايات المتحدة وأمن اسرائيل. ووقتها كانت مؤسسة بروكنغز أكثر تأنيا وأكثر إدراكا لمعنى المعارضة الشعبية والرسمية التي عمت العالم ضد غزو أميركا للعراق. ولم يكن هذا التوجه ـ فيما يبدو الآن بعد التطورات الخطيرة ونتائجها التي وقعت ـ من جانب بروكنغز شيئا لا يحتمله أي من ايباك أو معهد واشنطن. عندئذ سيطرت عليهما فكرة غزو بروكنغز والسيطرة عليه بهدف تغيير هذا التوجه، وربما نقول بهدف إعادة تثقيف مصنع الأفكار الأميركي الذي يعد قلعة ثقافية قوية في الساحة الأميركية.
أما لماذا بدت النتيجة النهائية لهذا المسعى نجاحا مطلقا في الآونة الأخيرة فلأن المفكرين ومجموعة الأكاديميين في مجال السياسة الخارجية والدراسات الاستراتيجية في بروكنغز أظهروا التوجه الحذر نفسه مؤخرا بإزاء تهديدات إدارة المحافظين الجدد بشن هجمات عسكرية ساحقة ضد ايران بهدف التدمير الشامل لقدرات برنامجها النووي الذي يهدد، أول ما يهدد، مركز اسرائيل باعتبارها الدولة النووية الوحيدة في الشرق الاوسط.
إذاً لم يكف طواقم الباحثين في بروكنغز الاختلاف مع توجه اللوبي الاسرائيلي بشأن العراق من البداية وحتى وقت قريب، فأضافوا خطيئة كبرى اخرى لا تقل خطورة ـ بمقاييس تل أبيب ـ بإصدار أبحاث وتقارير تحذر من مغبة مهاجمة ايران سواء من جانب الولايات المتحدة أو من جانب اسرائيل، بل تفند في تحليلات استراتيجية وسياسية مزاعم أساسية ترتكز عليها دعايات اسرائيل والمحافظين الجدد الأميركيين عن قدرات ايران في مجال إنتاج السلاح النووي.
كان لا بد اذاً من زاوية نظر اسرائيلية من تحرك هجومي حاسم على غرار ذلك الذي تدعو اليه إدارة بوش ضد ايران انما بأسلحة اخرى ضد بروكنغز. فكيف تم هذا الهجوم؟
لقد قررت لجنة ايباك ومعهد واشنطن في تنسيق دقيق بينهما امتلاك دائرة بحوث الشرق الأوسط في مؤسسة بروكنغز وتم ذلك باستخدام أموال حاييم صبان رجل الأعمال اليهودي المصري المولد والأشهر في مجال البحوث والدراسات. وبذلك أصبح بإمكان معهد واشنطن بأموال صبان وأفكار مارتن انديك اليهودي الاسترالي المولد ومؤسس معهد واشنطن أن يتحول نحو اتجاهات وصياغات اسرائيلية التوجهات والأهداف بشأن عملية السلام الشرق أوسطي وبشأن الإرهاب والإسلام الإرهابي وبشأن أسلحة الدمار الشامل (ايران وليس اسرائيل) وكل ما يتصل بالشرق الأوسط والمحيط الجغرافي والاستراتيجي والجيوسياسي حول اسرائيل. بمعنى ان تستخدم بروكنغز في بث معطيات واتجاهات السياسة الاسرائيلية الاميركية على النحو نفسه الذي يفعله معهد واشنطن مع فارق أساسي هو ان يبقى اسم بروكنغز وما يعنيه بالنسبة لجمهور المثقفين الأميركيين بما له من قدر عال من الصدقية والموضوعية.
ويفيد تحقيق صــحافي كتبــه الأميــركي غرانت سميــث (21 تــشرين الثــاني ـ نوفمــبر) ان هذا الاستيــلاء لم يكلــف رجل الأعمال الثري صبان أكثر من 13 مليون دولار (...) ولهذا يعد استثمارا ناجحا طويل الأجل لصالح اللوبي الاسرائيلي. والغريب ان هذه الصفقة تمت دون أن تكون بروكنــغز في حالــة أزمة مالية من أي نوع. لقد قدرت أصولهـــا في عــام 2005 بأكثر من 269 مليون دولار، أكثر من هذا ان مركز المؤسسة في مجال النفوذ على الوســائط الإعلامية المختلفة، أو ما يسمى قيمتها في سوق الأفكار، كان المركز الأول بين كل مصانع الأفكار في الولايات المتحدة في آخر الاستقصاءات التي جرت لتحديد مراتب مصانع الأفكار الأميركية. ولعل من المناسب أن نضيف أن مركز معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وان كان الاول بين أنصار اسرائيل، فإنه الثامن والعشرون في المجموع العام. ويحظى بنسبة اثنين في المئة فقط من اهتمام وسائط الإعلام الأميركية من حيث عدد المرات التي يذكر فيها أو يستضاف باحثون فيه للتحدث في برامج الفضائيات أو الأرضيات الأميركية.
وبعد... فإن الخطر، خطر غــزو مصانع الأفكار ذات التأثير القوي على صانعي القرار وعلى اتجاهات الرأي العام، لوضعها علــى خطوط قضبان الاتجاهات الاسرائيلية، لن يتوقف عند حدود مؤسسة واحدة حتى وان كانت بحجم بروكنغز وأهميتها ويحتاج الامر الى رصد ما يجري، ويحتاج أكثر الى دراسة ما يمكن عمله لمواجهة هذا التيار.
هذا اذا كنا نراه تيارا مدمرا للمصالح العربية، بما فيها مصالح الأمن القومي والعلاقات العربية الخارجية. ان الأحاديث الكثيرة في الوقت الراهن عن فوائض أموال النفط لدى الدول العربية يسمح للمرء بأن يلمح على الأقل الى أن الاستثمار في مجالات الأبحاث والدراسات ليس هدرا شرط أن يبنى هو ذاته على دراسة موضوعية، بعيدا عن الأهداف الذاتية للنظم الحاكمة، انما قريبا من الأهداف القومية. ولعلنا نتساءل في النهاية: هل اهتدت أي من الدول العربية الى دراسة في الوقت الملائم عندما كان الجميع يفكرون في جدوى اجتماع انابوليس؟ ام ان قرار حضور انابوليس لم يجد دراسة جدية من مصنع أفكار عربي تعطي خطوطا هادية حقا لقرار الحضور. وترك الأمر للتخمينات أو لدراسات مصانع الأفكار الأميركية .. الاسرائيلية.