سيظل السؤال يلاحقنا وسنبقى مطالبين بالبحث عن إجابة: هل تراجعنا حضارياً بسبب الحقبة الاستعمارية التي عاشها العالم العربي؟ أم بسبب الصراع العربي الاسرائيلي وتداعياته؟ أم لغياب الارادة السياسية؟ أم أنها المؤامرة الخارجية التي تستهدف العرب؟ هذه هي التفسيرات الأربعة التي يعتقد الكثيرون أنها تلخص مأزقنا الحضاري. لكن هل هذه حقاً هي الأسباب الحقيقية لمأزقنا الحضاري أم انها أعراضه ونتائجه؟ ولئن كانت ـ وهذا هو الأرجح ـ أعراضه ونتائجه فأين تكمن الأسباب الحقيقية والجذور العميقة لهذا المأزق؟ لنحاول اختبار كل تفسير من هذه التفسيرات الأربعة.
لو بدأنا بالتفسير الأول فهناك من يرى ان الحقبة الاستعمارية قد استنزفت ثروات وموارد العرب وحالت دون انطلاقهم وإصطنعت الحدود فيما بينهم فغرست في جغرافيتهم بذور الشقاق والفتن. لكن المدهش أن آخرين ينظرون الى الحقبة الاستعمارية بعين أخرى «إيجابية»! حيث يعتبرون أنه بفضل هذه الحقبة الاستعمارية اكتشف العرب مفهوم الدولة الحديثة، وتعرفوا على بعض مظاهر المدنية والتقدم، وتذوقوا بعض ثمار الحضارة الغربية الحديثة!! الأمر إذن مختلف عليه ولا يصلح لأن يكون تفسيراً شاملاً وعميقاً للمأزق الحضاري العربي. فالحقبة الاستعمارية كانت أحد أعراض هذا المأزق ولا ترقى لأن تكون أحد أسبابه! والمفارقة أن رؤية العرب للحقبة الاستعمارية ما زالت فيما بينهم محلاَ للجدل. بدا ذلك واضحاً على سبيل المثال بمناسبة الاحتفال بالمئوية الثانية على حملة بونابرت على مصر فليس سراً أن العديد من المثقفين المصريين قد رأوا في الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 إشعاعا حضارياً ايجابياً بأكثر مما رأوا فيها غزواً عسكرياً أجنبياً!
التفسير الثاني هو الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى وجه التحديد وجود إسرائيل كمشروع استيطاني تزامن في نشوئه بقرار دولي عام 1948 مع بدايات استقلال الدولة العربية الحديثة.. ثمة اعتقاد أن المشروع الصهيوني قد أرهق الدولة العربية وأربك مشروعها الوطني التحديثي وأدخلها على خط المواجهة مع القوى الكبرى. لكن ومع الاعتراف بما تكبدته دول المواجهة العربية في الصراع مع إسرائيل فمن المشكوك فيه الى حد بعيد اعتبار إسرائيل السبب الحقيقي للمأزق الحضاري العربي لسبب بسيط هو أن هذا المأزق يرتد تاريخياً الى ما قبل نشوء إسرائيل بعقود وقرون من الزمن! فضلاً عن أن العديد من مظاهر هذا المأزق تبدو منبتة الصلة تماماً بوجود إسرائيل. ثم إن علينا مواجهة هذا السؤال الافتراضي: وماذا لو لم توجد إسرائيل في المنطقة؟ الأرجح أن الأمور لم تكن لتتغير كثيراً عما هو حاصل اليوم!
أما التفسير الثالث فهو غياب الإرادة السياسية لمشروع تحديث عربي حقيقي. وقد اعتبر الكثيرون أن غياب هذه الإرادة السياسية هو احد الاسباب إن لم يكن السبب الجوهري لضياع فرص الإصلاح ومشاريع التحديث السياسي والاجتماعي في الوطن العربي.. فهناك من يرى أن غياب الإرادة السياسية والاستمرار في الحكم تغليباً لاعتبارات الاستقرار على مقتضيات التغيير قد ارتبط بتحجيم قوى التحديث والتضييق عليها وأصاب المجتمع العربي بنوع من الجمود وشيوع الاحباط مما أدى الى هجرة الكفاءات والأدمغة العربية. وعلى الرغم من أن غياب الإرادة السياسية يبدو فكرة مغرية بتحميلها كل المسؤولية عن المأزق الحضاري العربي فإن الأمور لا ينبغي تفسيرها على هذا النحو من التبسيط والاجتزاء.. صحيح أنه لا يمكن فصل أي مشروع نهضوي عن الواقع السياسي المحيط سلباً أو إيجاباً..
ولعله من الغريب أن تجربة معاصرة مثل التجربة الصينية تثير دهشتنا بأكثر مما تستدعي تأملنا!! فقد أطلقت الصين مشروعاً نهضوياً تحديثياً هائلاً في مجالات الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا مع أن «الدولة» الصينية لم تزل بعد بعيدة عن معايير التحديث السياسي التي تعرفها الديموقراطيات الحديثة مثل التعددية الحزبية، وتداول السلطة، وتكريس حرية الرأي والتعبير.. والصين بذلك تقدم معادلة جديرة بالانتباه طرفاها مجتمع خلاّق نشيط ودولة مركزية ذات قبضة قوية.. فهل تثبت التجربة الصينية بذلك صحة مقولة أن التحديث الاقتصادي والاجتماعي يمكن ان يكون سابقاً على عملية التحديث السياسي؟ السؤال مطروح وقد تتباين الاجابات.. لكن المؤكد أن غياب الإرادة السياسية يبدو تفسيراً قريباً واختزالياً لمجمل المأزق الحضاري العربي.. مسؤولية الدول قائمة إذن عن مأزقنا الحضاري لكنها ليست مسؤولية كاملة بل يشاركها المجتمع في ذلك بصرف النظر عن اختلافنا في درجة مسؤولية كل منهما.
أما اعتبار مسألة الاستمرار في الحكم لمدة طويلة سبباً في غياب التحديث الحقيقي للمجتمع العربي ففرضية محيّرة تحتاج الى تفسير أكثر عمقاً. من الناحية النظرية لا أحد ينكر أن تداول السلطة وضخ دماء جديدة في عروق الدولة ـ كل دولة ـ ضرورة لتجديد الرؤى ودفع قوى العمل وإحداث التغيير المطلوب الى الأفضل.. لكن من الناحية العملية شهد التاريخ الانساني نهضات كبرى لأمم ودول على يد أشخاص أمسكوا بمقاليد السلطة لفترات طويلة. وهكذا فإن تجربة «المستبد العادل» التي عرفتها بعض المجتمعات قديماً وحديثاً تبدو من الناحية التاريخية مربكة لهذا التفسير!! ولعلّ نموذج مهاتير محمد في ماليزيا وما تحقق على يديه من نهضة يغري بالتأمل ويزيد الفرضية إرباكاً! قد يرى البعض أن الإستثناء لا يقاس عليه وأن مهاتير محمد أو غيره حالة لا يسوغ تعميمها. وربما يرى آخرون أن لكل تجربة حكم فردي سياقها التاريخي الذي يجب أخذه في الاعتبار بل وقد يذهب البعض الثالث الى حد القول أن الحكم الفردي يمثل مرحلة تاريخية لا بد منها على طريق تطور مجتمعات لم تبلغ بعد رشدها الديموقراطي!! التفسير الأول شكلي ومنقوص.. بينما التفسير الثاني يهرب من الحاضر ليحتمي بالتاريخ! أما التفسير الثالث فلعله يشكل إهانة لأي مجتمع إنساني! على أية حال ليس هنا مجال مناقشة مثل هذه التفسيرات لكن المؤكد أن النظام السياسي العربي ليس السبب الوحيد للمأزق الحضاري العربي بل هو في الواقع أحد نتائج هذا المأزق! والفارق كبير في مناهج العلوم الاجتماعية بين السبب والنتيجة!!
ولنصل الآن الى التفسير الرابع «القريب» المتمثل في نظرية المؤامرة حيث هناك من يعتقد أن المؤامرة الخارجية على العرب، وتحديداً المؤامرة الغربية هي التي تفسّر إخفاق وفشل كل المحاولات والتجارب النهضوية!! و لربما يكون لأسري نظرية المؤامرة أدلتهم وشواهدهم في حالات بعينها، ولربما يتداخل لديهم أحياناً الأيديولوجي بالنفسي! لكن الأرجح أن التاريخ ليس محكوماً كله بنظرية المؤامرة وإن كان لا يخلو رغم ذلك من المؤامرة! وفي كافة الأحوال فإن علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة هي أن للمؤامرة طرفين: متآمر ومتآمر عليه. وبالتالى فإن منطق المؤامرة ذاتها يقضي بأنه لكي ينجح متآمر (ذكي أو خبيث) فلا بدّ أن يكون هناك بالضرورة متآمر عليه (ضعيف أو أحمق)!! فنحن لا نتحدث في المؤامرة الا على أنها عمل شرير وشيطاني ناسين أن نجاحها راجع بالضرورة الى تخاذل أو ضعف أو حماقة المتآمر عليه.. وليست قصة صدام حسين سوى النموذج الحديث لتهافت نظرية المؤامرة وقصورها عن تقديم تفسير مقنع ومتماسك لحقيقة المأزق العربي. والآن يصبح السؤال هو: إذا لم تكن الحقبة الاستعمارية أو المشروع الإسرائيلي الاستيطاني أو غياب الإرادة السياسية أو التآمر الغربي على العرب سوى أعراض المأزق الحضاري العربي، فما هي إذن أسبابه البعيدة وجذوره العميقة؟
([) الامين العام لمؤسسة الفكر العربي واستاذ جامعي ـ المقال هو الحلقة الثانية من سلسلة يكتبها الدكتور سليمان عبد المنعم